20 أغسطس, 2010

بطـة مفخخة


كلما أطل علينا شهر رمضان تأتى على خاطري زيارة جدتى للقاهرة العام الماضي

فقد أنهك العمر عظام جدتى ودقها فصارت تشكو كل حين من جمرات من النار تتقد في ركبتيها الهزيلتين

وقرر خالى اصطحابها معه للقاهرة لعرضها على طبيب العظام الشهير بوسط البلد وكنت كالعادة طبعا بانتظارهم في محطة رمسيس

حملنا ما حملناه من هداياها التى أصرت أن تأتى بها لنا من أعماق الصعيد
في صورة عشرة كراتين وثلاثة شنط وسبت مغطى برداء أسود فيه بطة حية


وأستقل ثلاثتنا سيارتى المسكينة ولم تكف بطتها عن الصياح وانطلقنا في طريق صلاح سالم ولكننا قبلها انتظرنا طويلا في ميدان العباسية ولا أعرف السبب حتى دخلت نفق العروبة


وحدث ما لم يكن بالحسبان

كانت سيارتي تمشي كالسحلفاة لتكدس السيارات لسبب لا نعرفه ونشف خالى حبات العرق التى تناثرت على لحيته الطويلة ولعنت جدتى الزحام
وهي تحتضن سبتها المتشح بالسواد ولا يخلو من فتحات صغيرة تدخل الهواء لبطتها الأثيرة وكأن قاهرة المعز خلت من البط ولكنها العادة جرت أن يأتى الصعايدة بهداياهم ولكن كبار السن يصممون أن يصطحبوا هداياهم حية كما خلقها الله

تأففت قليلا من الحر والزحام وتساءلت في ضجر عن سبب قفل الاشارة هه المدة التى تجاوزت ثلث الساعة فقال سائق السيارة الفارهة على جانب خالى ..
لازم نستنى عشان سيادته معدي ..
نظر لي خالى نظرة زات مغزى ولم ينبس ببنت شفة وقالت جدتى بصوت عال ..
يعنى البطة تموت عشان سيادته يعدي وبعدين سيادته موش معاه طيارة
قلت لها أحاول أن أخفف من ثورة صوتها العالي ..
يا جدتى ما هو جاي من المطار هيركب الطيارة على محطتين أتوبيس يعنى
آه .. صحيح يوفر بنزين الطيارة لمشاوير بعيدة

وما إن حانت على المدى مسافة تنطلق فيها السيارة وتنفك من أسر الزحام المطبق
سمع صوت فرقعة عالية ودوي رهيب .. نعم إنه إطار عجلة السيارة الخلفية

ركنت على مهل بين فزع جدتى وتساؤل خالى وكانت المفاجأة .. جري وزعر وأناس مدججون بالسلاح يحوطننى ويغرزون أسنة أسلحتهم في جنبينا وخصوصا بعد أن نزل خالي وزاد الأمر سوءا لأنه ملتحي وخرجت جدتى ببطتها في حضنها
قلت لأهدأ الموقف
مفيش حاجة حضرتك دي العجلة فرقعت .. عادي .. ثوانى أغيرها
قال قائدهم الطويل الضخم بنظارته السوداء بلهجة حادة وهو يحمل لاسلكي في يده
تغيرها أنت بتستهبل .. في الوقت دة والموكب على بعد كيلو
فبادره خالى بلهجة صعيدية اكثر حدة
أمال يعمل إيه يعنى يسيب العربية في نص الشارع
جدتى لا تكف عن الحوقلة والدعاء عليهم بماء مغلي من حميم جهنم وهم لا يفقهون ما تقول
أمرالقائد جنوده بدفع السيارة على جانب الطريق وقاموا بتفتيش الكراتين واحتجز بطاقة هويتى ورخصة السيارة وبطاقة خالى وأبلغ أسماءنا بجهازه ليتحروا عنا

ودبت المعركة حين أراد أحد الجنود تفتيش السبت الأسود فقد أثار شكوكهم وأصرت جدتى ألا تترك بطتها ومن يقترب من بطتها ستخنقه كما خنق الثعلب بطتها الشهيدة الاسبوع الماضي واحتجزوا السبت لحين وصول خبير المفرقعات فربما تكون بطة مفخخة

و لكن مرت لحظات وكانت الطريق واقفة و مر الموكب في سلام وجاء الأمر عبر اللاسلكى أن أخلوا سبيلهم سبيل بطتهم وعدنا للبيت بعد أطول رحلة لي من رمسيس إلى مدينة السلام استمرت قرابة الثلاث ساعات ونصف الساعة

دامت دياركم عامرة بالبط والأوز وكل الطيور
وأطال عمر جداتكم فهن بسمات صافيات على وجه الزمان

0 التعليقات: