هذه سيارتي 128 الحمراء العزيزة
ليست عزيزة لأنها أحدث موديل ولا لأنها تحفة من خمسينات القرن الماضي
إن مبعث شهرتها جاء لانها كانت اول سيارة أقتنيها في حياتي
هذا ليس إعلانا لبيعها لا سمح الله لأنني حاولت بيعها مرارا ولكن يتعقد الموضوع وتبوظ البيعة في آخر اللحظات
فلقد اشتريتها من طبيب أطفال منذ ثلاثة سنوات وبعد أن مضى عليها معي عاما أردت التجديد وشراء واحدة من السيارات التي تدعى فارهة والتي لا يسمع لها صوت حين تمر كالريح بجانبك ..
ولما يئست من بيعها لسوء الحظ أكثر من مرة
أيقنت أن هذه السيارة هي قدري الذي لا يمكنني الفكاك منه أو التنازل عنه تحت أي ظروف ..
فأصبحت هذه السيارة جزءا من حياتي تقاسمني فرحة الحياه وبهجتها وتشاركني حزن الحياه وقسوتها
في المرة الأخيرة
لم تكتمل البيعة عارفين ليه ؟!!
كان حماي العزيز يستعد للسفر إلى أسوان بعد فترة قصيرة قضاها في القاهرة مستمتعين بمكوثه معنا ولما حانت ساعة السفر ما كان من صديق عمري طارق
إلا أن يكون متواجدا معي ليساعدني وعمي في حمل الحقائب والكراتين الثقال لأن عمي اشترى بعض أغراض الكهرباء و مستلزمات السباكة لبيت ابنه الجديد
وفي الموعد المحدد استقل ثلاثتنا سيارتي 128 المسكينة التي كادت تأن من ثقل ما تحمل وكنت أسمع أنين عفشتها وصوت محركها الذي يناضل من أجل صعود كوبري الجلاء مثلا وحين قطعنا صلاح سالم ووصلنا إلى العباسية وكأنها تقول : لا .. كوبري تاني لا ..فآثرت أن أسلك كل الطرق السطحية رحمة بها وبصحتها المنهكة
الحمدلله .. وصلنا رمسيس وودعنا عمي وما تركناه حتى غادر قطاره رصيف المحطة
وألح علي صديقي أن نذهب إلى وسط البلد ليشتري بعض الملابس وخصوصا وأن ملابس الشتاء نزلت وهو يعشق البلوفرات ويدفع فيها الغالي والنفيس وبعد رحلتنا التسوقية البسيطة جلسنا على مقى أم كلثوم بالتوفيقية وكانت تشدو برباعيات الخيام واستمتعنا بجلستنا الهادئة على مدار الساعة وانطلقنا بسيارتي رجوعا إلى مدينة السلام
كانت تسابق الريح فرحا بالجو المنعش والساعة ماجاوزت الحادية عشرة و لا أدري لماذا انتفضت واظهرت كل قوتها لدرجة أنني شعرت أنني أقود أحدث سيارة خرجت من مصنع فورد
المهم كلما فعلت سيارتي فعلتها هذه وشعرت بهذا الشعور أعرف أن هناك مصيبة تلوح في الأفق القريب وجلس طارق باستمتاع يقلب بين محطات الراديو حتى وجد محطته المفضلة مونت كارلو وتهلل وجهه فرحا لما وجدها فهو يعشقها منذ كنا طلاب بالجامعة .
وبينما نصعد كوبري العباسية سمعت صوتا كأن شيئا سقط على الأرض من ناحية طارق فبادرته متسائلا : ما هذا ؟!!
أجابني وهو ينظر بجانبه : الظاهر أن عربية جنبنا وقعت منها حاجة
قلت له : يعني موش عربيتي
ضحك ساخرا وأردف قائلا : وافرض وقعت كلها العربية موش انت مستغني عنها وموش طايقها
وصلنا السلام بسلامة الله ونزل هو وأكملت أنا لآخر الشارع وقلت لنفسي :
بقالي كتير مغيرتش زيت والعربية جاية من مشوار سخن فيالها من فرصة جديرة بالاغتنام
لفيت ورحت لمركز الزيوت الذي اعتدت أن أغير عنده زيت المحرك مرة كل شهر تقريبا حتى أنني أصبحت صاحب مكان وليس زبونا عاديا
ولما وصلت قابلني الواد طلبة بموجة ترحابه المعهودة
وقام ساحب كرسي من محل البويات المجاور وأجلسني وقام بفتح الكبوت وبينما هم أن ينام تحت السيارة لكي يفك طبة الزيت
حتي حدث شيء لم يكن بالحسبان
أتدرون ماذا حدث ؟!!!!!
النور قطع في المنطقة
المهم بعد ما النور جه اكتشفت شيئا فظيعا حصل !!!
النمرة بتاعة العربية اللي قدام مش موجودة
- ايه ده يا طلبة .. انا بأغير زيت مش بأغير نمر.. النمرة فين يا طلبة ؟!!
- والله ما شفت حاجة يا أستاذ محمد ولا شلت حاجة من مكانها !!!!
- طيب والحل إيه دلوقتي .. أمشي ناقص نمرة في الشارع ازاي ؟!!
تدخل عم محمود صاحب محل البويات في الحوار
- لازم تعمل محضر في القسم يا أستاذ محمد علشان تأمن نفسك ..
يمكن حد ياخد النمرة يحطها على عربية ويعمل بيها نصيبة .. وتروح تشيل انت الليلة ..
- انا عمري ما دخلت قسم في حياتي إلا لما عملت بطاقة يا عم محمود .
- متخافش من حاجة يا بني .. متقلقش .. هاتعمل محضر ان النمرة ضاعت ..
بس الصبح .. موش هاينفع دلوقتي .. الساعة داخلة على 12
وقضيت ليلة ليلاء اضرب اخماس في اسداس
وانا اتخيل منظري قام الضابط وهو بيسألني نمرتك ضاعت فين وامتى ؟؟!!
وتضيعها ليه .. ساكت ليه ما ترد .. يعني انت تضيعها واحنا ندور لك عليها .. ناس في منتهى الاهمال ..وأتخيل نفسي أمامه كتلميذ بليد ينتظر عقابه ..
لم انم ليلتها وخيالي ينسج احداث فيلم عربي .. نمرتي اخدها واحد وراح حطها على عربية مسروقة وراح سرق فرع البنك الأهلي وقتل الحارس والحارس التاني خد النمرة رغم انه مبيعرفش يقرا ولا يكتب .. والنمرة بتاعتي حلوة و مميزة وتتنقل بسهولة
لم أخبر زوجتي بما حدث حتى لا يزيد قلقها قلقي وخصوصا وأنها تقلق علي من كل شيء
وهي أصلا شايلة العربية على راسها وزاعقة وكأنها ضرتها
إلى ان أتى الصباح .. اتصلت بطارق وحكيت له بسرعة ع اللي حصل وقلت له يبلغ المديرة ان هاروح القسم وارجع على الشغل ولو لم ألحق خليها عارضة منك لله
وذهبت بعربيتي المسكينة إلى قسم الشرطة
ودخلت وأحسن الناس استقبالي والحق يتقال.. كل واحد اسأله يقولي خش جوة ..خش جوة .. لدرجة اني اعتقدت اني هأخش السجن في الآخر.. ووقفنا أنا وأمثالي في غرفة ضيقة و الأمين بارك الله فيه يسألنا بقرف وهو يعرك عينيه .. شكله مانامش بقاله اسبوع
وسأل الاسئلة التي توقعتها وأجبته بمنتهى الجدية وقال لي ..
استنى برة لغاية ما ييجي المأمور علشان يختم لك المذكرة وقبل ما اطلع سألته بمنتهى البراءة .. وبعد م أختمها حضرتك .. إيه اللي مفروض اعمله ؟!!
وبنفس القرف والعيون المعمصة رد بصوت أجش :
- انت لسه شفت حاجة .. ده إنت يومك طويل النهاردة
- الله يطمنك يا شيخ روح .. يارب يدوك أجازة عشان تنام يومين ورا بعض
- انت بتهزر يا استاذ .. اطلع برة
( لا .. هذا الكلام الأخير من نسج خيالي ..
يعني قلته في سري انا وخارج من الحجرة الضيقة)
وما إن جاء المأمور حتى حدث شيء لم اتوقعه ولم يخطر ببال أحد !!!!!!
أتى المأمور
والقسم وقف على رجل .. وسلام سلاح ..
وقام أحد الأمناء بتوسيع السكة وتنضيفها مننا نحن الشعب من قدام طريق سيادته.. ودخل يمشي في عظمة وهو ينظر يمنة و يسرة .. مهاب الجانب .. صلب الملامح .. برزت اسنانه قوية حادة كالنسر الجارح حينما تمتم للضابط النوبتجي ببعض الكلمات في صيغة أوامر صارمة لأن ما سمعناه من الضابط هو : تمام يا افندم
وتجرأت قافزا في وجه الأمين اللي كان بيوسع السكة للمأمور وقلت له :
- احنا منتظرين من بدري حضرتك وعاوزين ختم ونمشي ..
برق لى حاحظا ومستغربا وقال :
- لما سيادته يشرب القهوة بتاعته .. نص ساعة بس
انا قلت لنفسي يبقى دي فيها ساعة كمان.. اتصلت بصديقي أيمن لكي أخبره انه يقول للمديرة اني هتأخر لو عاوزين يغيبوني عن الشغل النهاردة يتفضلوا لأننا في انتظار القهوة .. قصدي سيادته لما يشرب القهوة ويحن علينا ويختم المذكرة..
ووقفت اتجاذب اطراف الحديث الواقف بجواري وبسأله عن سبب تواجده واخبرني انه فقد رخصة سيارته الأجرة وانتهزتها فرصة وسألته عن الاجراءات اللي هأعملها وخصوصا ان موضوعنا متشابه إلى حد ما ..
ويا ليتني ما سألت !
قال الرجل :
- بص يا أستاذ .. بعد ما يختم المأمور المذكرة .. تطلع جري على المرور .. تجيب نموذج فحص بـ 17 جنيه وتاخد عربيتك تفحصها ثم ترجع على الشباك تاني عشان تجيب بيان مخالفات وبعدين بطاقة بيانات وتدفع ضرايب وتأمين و.......
رديت مقاطعا :
- ليه هو أنا هأعمل للعربية رخصة من أول وجديد ؟
ابتسم ساخرا :
- ده انت فكرتني .. هاتسلم رخصة العربية وتاخد .....
وقبل أن يكمل كلامه نادي الأمين بندائه الجهوري على اسماءنا وقطع ما كان سيقوله الرجل الذي أحبطني وجعل العالم يتشح أمام ناظري بالسواد .. لقد كنت أمني نفسي بأن الأمر سهل .. لكن ما قاله الرجل أثبت لي أن هذا اليوم لوحده في المرور لا يكفي ولابد أن آخذ إجازة لمدة اسبوع عشان أخلص اللي قال عليه ... ياليتني ما سألت .. ياليتني ما سألت .. !!!!!
وصلت المرور وأنا أردد ما قال الرجل
- بص يا استاذ .. انت تاخد المذكرة من القسم وتروح بيها جري ع المرور وتجيب نموذج فحص بطابعين شرطة يعني حسبة 17 جنيه وتفحص العربية ... معاك طفاية حريق يا بيه ؟!!
اشتريت نموذج فحص ودفعت 17 جنيه وهكذااااا
المهم ..وأنا في معمعة المرور الطاحنة اتصل بي ايمن وأخبرني انه بانتظاري بالمدرسة وأخبرته أنني لن استطيع المجيء اليوم ولا غدا لأن الموضوع كبير كبير كبير ..
وذهبت للمرور وفحصت سيارتي في ساعتين من العناء في الشمس الحارقة وانطلقت إلى مبنى المرور واشتريت النماذج ووقفت في طابوووووور طويل وطوابع الشرطة ووقفت في طابوووور طويل ووقفت في طابور طويل قرابة الساعتين إلى أن أتى دوري وأخذ الموظف يملي علي طلباته من دفع مخالفات ووقفت في طابووور طويل ودفع تأمين ووقفت في طابور طويل وضريبة ودمغات ووقفت في طابووور طويل وتصوير مستندات وانا ألف في المرور بأوراقي كالنحلة حتى تورمت قدماي ..
أيقنت ساعتها أن المصري يقضي سدس عمره في طوااااااابير
والحمدلله انتهي اليوم ومعي أرقام مؤقتة وتصريح لمدة شهر يجدد في الميعاد ورجعت إلى البيت وأنا منهك القوى .. اكلت لقمة ف السريع واستسلمت للنوم لأنني لم أنم في الليلة الفائتة واستيقظت في الخامسة عصرا على تليفون المديرة تطمئن علي وحكيت لها ما كان وتفضلت مشكورة وتقبلت عذري وقالت لى ناصحة :
حافظ على نمرك ولا تأخذ طارق معك في اي مكان لانه هو السبب
لهذا لن أستطيع أن أبيع سيارتي بتصريحها المؤقت
ألا من أحد ينقذني منها لأنني كرهتها وكرهت بسببها نفسي وكرهت الدنيا
وحتى لو بعتها لن أشتري سيارة توقفني في طابور
7 ساعات من عمري
تضيع من أجل سيارة
ماله المترو
مر علي ايمن مساءا وأنا أحكي له ما حدث وهو لا يفعل شيئا سوى أنه
يضحك
يضحك

1 التعليقات:
ههههههههههههههه
لي عوده
تقريبا
اود قرائه الموضوع هذا
قرابه 50 او 60 مره
لافعل في كل مره مثل صديقك الاستاذ طارق
واضحك
من اعماق قلبييييييي
فتاه تحب الله
إرسال تعليق