20 أغسطس, 2010

صفحات من مذكراتي الخاصة

الموت غرقا ثم الموت ضحكا
اليوم الخميس الرابع من نوفمبر 1993
الجو صحو والمدينة الجامعية تعج بالحيوية والدفء في يوم شتوي من أيام نوفمبر ونحن على أعتاب العام الجامعي الأول نرنو إلى المستقبل بوجوه مبتهجة ونحاول أن نرسم له طريق ..
وكان هو الوحيد الذي لم يكن من شلتنا التي لم تفترق منذ أيام ثانوي وأكملت المرحلة الجامعية سويا في كلية واحدة وإن اختلفت الأقسام وسكنا في حجرتين متجاورتين في المدينة الجامعية ولكننا لم نشعر لحظة بأنه دخيل عليها ..
نعم كان له أسلوب متفرد حيث حديثه بالفصحى الذي لم نعتاده فهو يعشقها عشقا لا مراء فيه ورغم تباين اهتمامات شلتنا إلا أنها اجتمعت على حب 
( الشيخ مهدي )
الغريب أنه لم يكن في سن الشيوخ ولكنه كان يصلي بنا إماما في مسجد المدينة الجامعية فلقبناه بالشيخ ولم يكن اسمه مهدي لان اسمه محمد أحمد حامد المهدي فآثرنا بأن نناديه بالشيخ مهدي وصار مهوى قلوبنا وملاذ أفئدتنا ومستراح أفكارنا ولذة منتدانا وبسمة صافية على وجه أيامنا
ولقد فسر لي الشيخ مهدي في هذا اليوم شخصياتنا جميعا بروعة أسلوبه ودقة مفرداته حيث قال في براءة :

إبراهيم هو زعيم الشلة بلا منازع بحكم قوة عضلاته المفتولة وحكمة آرائه الرزينة وكأنه مولود في صالة حديد فكلكم تمشون في حماه وتصارعون الآخرين واثقين أن المعركة ستؤل إليكم بعد تدخله ولولا رجاحة عقله وطيبة قلبه لدمر المدينة وتركها بعده حطاما


وبهاء هو الغارق دوما في حلمه بأن يصير معيدا في الكلية فتراه نائما في المكتبة ومتواريا خلف كتبه ومذكراته يخرج من بحث إلى آخر ويا ويله إذا ضاع الحلم وذهب أدراج الرياح


وعاشور هو القابع في بحر النسيان .. الطامح دوما .. الثائر أبدا .. يتكلم ويعلو صوته أثناء مباراة فريقه المفضل وهو يحفظ جدول الدوري عن ظهر قلب وماعدا ذلك فهو يمارس لعبة التركيز في أقوال وأفعال الآخرين


ومحمد هو الهائم بين أفكار قصصه والراكض دوما خلف خيالات شخوصه التي يحكي لنا عنها فصرنا لا نعرف هل يحكي لنا واقع ما حدث أم ما تخيل هو أن يحدث

وجمعة هذا المراهق السياسي الذي مازال يداعب الرؤى الناصرية الوحدوية والمجازفات الساداتية المجنونة والخطط المباركاتية نحو الإصلاح وعما قريب سنزور مبنى امن الدولة بسببه


ولن ينقذنا من براثنهم سوى طارق العاشق لمنير لأن قلبه مساكن شعبية وبالها من هواية سلبت لبه وجعلت أحلامه كلها في عشق البنات


ولكن وفي هذا اليوم بالذات وبسبب البنات حدثت مفاجأة غريبة وغير متوقعة




أصدر الزعيم الحاكم بأمره  فرمانا بصفته زعيم الشلة وولي امرنا بأننا أتينا إلى هنا لنتعلم .. لا لكي نذهب للكلية ونتسامر ونتحادث ونرغي مع خلقه وخصوصا البنات
فقرر بأنه لو وجد أحدنا يقف مع بنت سيلقى العقاب المؤلم فما بالك لو خرج لموعد برئ في أحد الحدائق العامة أو المنتزهات فسيكون عقابه عقابين ولفت نظرنا بأن معه جداول محاضراتنا أي أن أي خروج في موعد غير طبيعي سيضرب على يد الجاني بيد من حديد وبالها من يد
وطبعا عضده الشيخ مهدي بقوله أننا ما جئنا هنا لنعيش قصصا غرامية ولكننا جئنا لطلب العلم الذي هو فريضة على كل مسلم
وكان أول ضحية للفرمان الإبراهيمي هو طارق الذي لبس أبهى الثياب ونثر حول ملابسه عطره الأثير وباليته ما فعل ولكنه حلف لنا بأغلظ الأيمان بأن حفلا ستحييه فرقة أسوان للفنون الشعبية بقصر ثقافة أسوان ولم ترق الكذبة لإبراهيم وساعده الشيخ مهدي لأنه يكره الغناء والحفلات وما شابه وقرر إبراهيم إنزال العقاب على طارق الذي خالف التعليمات وأمرنا بحمله بين بسمات وحسرات إلى الحمام وساعدنا هو بعضلاته المفتولة ودفع للحمام دفعا تاركا ماء الدش ينزل على ملابسه غارقين تحتها جميعا لا يهم المهم بأن الميعاد فات ولم نصدق بأننا أخطأنا في حق طارق إلا بعد أن أخرج لنا كارت الدعوة مبتلا من بين ملابسه
لم يتذعذع إبراهيم لحظة ولم يرجع في فرمانه منفذا إياه بكل حزم لكل من تسول له نفسه أن ينزل بمفرده من دون الشلة في موعد غير عادي غير مواعيد المحاضرات المعروفة للجميع
حتى جاء اليوم الذي كان علي أن أذهب لمحطة القطار لأحضر ابن عمي الذي سيذهب لزيارة خاله بمستشفى أسوان التعليمي .. لم يصدقني أحد وكان من طارق أن أضرم النار في الهشيم بقوله : هي الأمورة اسمها إيه يا محمد .. اسمها عبدا لرحمن ها .. لم يصدقني أحد
همست للشيخ مهدي بأن يتصرف مع إبراهيم وطمأنني وربت على كتفي قائلا في ثقة
لن تتأخر عن موعد ابن عمك ولكن بشرط أن تمر بالتاكسي الذي يحملكما للمستشفى من أمام المدينة الجامعية حتى يطمئن قلبي
وما إن انتهيت من ارتداء ملابسي حتى حدث ما لم يخطر ببال


 
لم يتوانى إبراهيم في إنزال عقابه لي في منتهى العدالة وخصوصا بعد أن تم تسخينه بواسطة طارق الذي عوقب قبلي وعاشور الذي يشجع الفريق الأبيض المضاد لفريقي
وهب مهدي قائلا لابراهيم :
ولكني ما عهدت على محمد كذبا منذ عرفته يا إبراهيم
قال أبراهيم في حزم :
ماعندناش خيار وفاقوس يا شيخ
كله أمام القانون سواسية

وهب قائما يمسك بتلابيب قميصي وقفز عاشور وطارق أمسكا بيداي وجاء بهاء للمساعدة وأنا أحاول الافلات من بين أيديهم دون جدوى
وما كان من مهدي إلا أن ودعني بنظرة وقال
لا تخف يا صديقي

وما إن فتح إبراهيم الدش إلا وماء يغلي صب على رأسي كاد يحرق فروته
ولما وجدوا الماء الساخن يتدفق علينا تركوني وخرجوا ليستطلعوا حقيقة أسباب ما حدث
ولم يجدوا غير الشيخ مهدي عائدا من المطبخ وقد عرفوا أنه قفل المحبس الرئيسي للمياه وما تبقى في المواسير غير ماء السخان المغلي
زمجر إبراهيم قائلا
ماذا فعلت يا شيخ ؟!!
لقد كنت ستحرقنا جميعا

قال في براءة :
والله ما قصدت إلا إنقاذ محمد لأنه لا يكذب
آسف والله لم يخطر ببالي أن ما تبقى هو ماء السخان
لقد اعتقدت أننى أنقذه من جراء حكمك الظالم أقصد غير العادل

قال إبراهيم وقد شعر بالذنب :
لقد حان الوقت أن أعتذر أنا لمحمد وأكلفك يا شيخ بأن تنزل معه لمحطة القطار
لتستقبلوا عبدالرحمن وتذهبوا معه للمستشفى
بس على شرط أن تمروا بالتاكسي من أمام المدينة الجامعية حتى يراكم
الظانين السوء
( ناظرا لطارق وعاشور )

ولقد حدث ما أراد الجميع وانتهى الأسبوع دون ضحايا
إلى أن وقعت مفاجأة مدوية شاب لها شعري وانخلع قلب لها خوفا
إلى أن جاء الدور على الزعيم شخصيا في أن ينزل في موعد غير عادي وينثر حوله شذا عطره المفضل الذي ما إن شممناه حتى راودنا السؤال : لماذا ينزل الآن ولكن من يجرؤ أن يسأل وكان وسألنا كيف سندفع هذا الجبار إلى الحمام لننتقم منه ونسقيه من نفس الكأس كما كان يفعل بنا وما كان السؤال يخرج من بهاء :
إلى أين يا إبراهيم ؟
حتى كانت الإجابة مستفزة :

لا شأن لك .. خليك في مذاكرتك



كانت نظرات غيظنا تطارده دون كلمة واحدة ولما وجد حصار النظرات حوله تلعثم قائلا :
إنني خارج لزيارة أحد الأصدقاء
لم يعلق أحد ولكن الشيخ نظر له نظرة ذات مغزى .. تركنا ونزل السلم في ثقة وتركنا بين حيرتنا يملؤنا الغيظ في عدم القدرة على الانتقام
هب طارق قائلا :

انا لازم آخد حقي

وسألته في براءة :

أيوة بس ازاي ؟!!!!



انبرى الشيخ مهدي قائلا :

لن يهزم ابراهيم إلا بالحيلة

إملئوا كيس كبير بالماء واقذفوه به من عل



وجريت للمطبخ أحضرت الكيس وساعدني طارق وحمل عاشور الكيس وانتظر لحظة خروجه من المبنى وحانت لحظة التنفيذ وانطلق الكيس هاويا على رأس الزعيم واختفت رؤوسنا من الشباك وسمعنا ضحكات الطلاب الجالسين في شرفات المبنى مصادفة وانتظرناه صاعدا واختفى كل منا متشاغلا في شيء ووصل كالثور الهائج وأمسك بي وبعاشور بيده العريضة نحن نكتم ضحكاتنا عليه وقال غاضبا :


لن أقول لكم من الذي تجرأ وألقى علي بكيس الماء ولكنى أسأل من الذي فكر ودبر ذلك ؟!!




اتجهت نظراتنا إلى الشيخ مهدى وما رأى إبراهيم ذلك حتى أخرجنا من الحجرة مستفردا بالشيخ مهدى صافقا الباب في عنف ونحن بالخارج لا نسمع إلا أصوات استغاثة

0 التعليقات: