حين كنا صغارا
كانت حديقتنا مفخرة لأعمامي .. يحوطونها بكل رعاية حتى لا تضاهيها حديقة مانجو في بلدتنا الصغيرة في أعماق الجنوب الساخن من حسن تنظيم وقوة في الانتاج ...
كنا نقضي صيفنا كله ونحن ننقل لأشجارها السامقة سباغ ورماد ونهاجم كل الحشائش التي تتربص بالشجر المخضوضر
وكان عمي الأكبر هو المهندس الزراعي المسئول عنها .. يعطي أوامره كل صباح ونجري لنكون رهن أي إشارة منه فنقوم بما يطلبه خير قيام لأنه يمنحنا الجائزة آخر اليوم فيسمح لنا بالسباحة في النيل الذي تترقرق مويجاته تداعب أجسادنا الهزيلة في حنان .. وكانت تلك هي خير مكافأة وأجمل هدية وأمتع عطية ننتظرها بعد يوم من العمل الشاق
وكان لعمي صديق يدعى الحاج عبد المنعم .. اشترى الحديقة المجاورة وصار يستشير عمي في كل أمر بصفته الأكثر خبرة في عالم المانجو .. وكان الرجل ضخم الجثة عريض الأكتاف جامد النظرة مهاب الطلة .. لا يضحك إلا غيظا ولا يبتسم إلا وتبين أسنانه كأسد مفترس
وكنا نشفق على أبنائه من أوامره الصارمة والتي لو خاب أحدها إلا ولقي من خاب الجزاء الأليم
كانت سحب بيض تصافح ضياء النهار المودع وعدنا للحديقة لكي نبدل ملابسنا المبتلة ونستعد للرحيل إلا ووجدنا الرجل واقفا أما باب الحديقة يضرب كفا بكف ويقول في غيظ مكتوم لابنه الأكبر :
لم تأخر أخوك .. حينما يأتي سأقتله
يعرف أنني انتظره الآن لكي أعود بالحمار
تمنينا ألا يأتي جلال وأبوه على دلك الحال لأنه مضروب لا محالة .. بل مطحون مسحوق فالرجل تطق عيناه شررا
بل مكسر العظام وكويس
لو ماخدلوش غرزتين تلاتة في وشه
وحدثت المفاجأة
وعلى المدى ظهر جلال ولكن ....!
ظهر جلال ولكن على قدميه
بانت أسنان الحاج عبد المنعم وهب قائلا
فين الحمار يا حمار
خائفا مذعورا يضغط على الحروف
لا أجده
وما كان من الرجل المهاب إلا أن خرج عن شعوره وهاج وماج ورزع جلال حتة قلم ظننا بعدها أن رأس جلا طارت في الهواء
فين الحمار باد .. تاه .. ضاع الحمار
تقفز من عيني جلال دموع حارة وقال بين دموعه
والله يا آبا مانا عارف راح فين ؟!!
وكمان بتقول موش عارف
وهم الرجل أن يفتك بابنه لولا تدخل عمي الذي أعطى لنا جميعا أوامره على الفور بالبحث عن الحمار مع أبناء الحاج عبد المنعم تلاحقنا كلماته الحادة
والله يا ابن الـ ... لو ما رجع الحمار لأقتلك
انتشرنا في الحدائق المجاورة والغيطان القريبة
بحثا عن هدا المأفون لعله هرب من العمل طمعا في وجبة حشيش طرية
تعبنا بحثا دون جدوى ومعنا جلال وأخويه ومالت الشمس تستعد للمغيب ولملم المزارعون أشياءهم وكان من الرجل بعد أن عدنا بكفي حنين نجر ازيال الفشل في العثور على الحمار الملعون أن حلف بالطلاق تلاتة من أمك يا جلال إلا تبيت في البيت والحمار خارجه
دهب جلال إلى بيت خاله في اشد حالات الحزن منفذا عقابه ولم يستطع عمي إن يهدأ من صاحبه بعد أن خرجت الكلمة من فيه سابقة كل كلام
تناول الجميع عشاءهم في حال يرثى له ولم يخرجوا للعب مع أقرانهم في ليالي بلدتنا الصيفية
انقضت ساعات الليل طويلة حتى كانت المفاجأة
لقد عاد الحمار اللئيم لمكانه في الزيبة خلف الدار ولما هلل الصغار فرحا بعودته بكت الأم وشعر الرجل بالذنب لما فعل ولم يغمض له جفن من تأنيب الضمير اثر العقاب القاسي الذي انزله على جلال وادا به يترك فراشه في جنح الليل ويخرج حافي القدمين ويدخل مسجد القرية الصغير ويشغل الميكروفون مناديا
ارجع يا جلال
الحمار عاد في سلام
نداء من ابيك وامك واخوتك

1 التعليقات:
ومن الحمير ما قتل
جميله جداً القصة يا أسوانى
أسلوبك فذ
تحياتى
إرسال تعليق