21 أغسطس, 2010

الفريسة والصياد



أسوء شيء في الحياة أن تكون بلا حياة .. . أن تقع عيناك على جرح نازف .. أن تكون مطعونا وقلبك مشروخ .. أسوء شيء في الحياة هو ألا تستطيع أن تعيشها تتنفسها .. تلحق بشروق شمسها وتداعب يداك الندى على وريقات زرعها وتصافح أذناك زقزقة عصافير على شجيرات وقفن على الطريق .. 

أسوء شيء في الحياة أن تنغص أيامك ذكرى مؤلمة .. وتجعلك لا تطيق أن ترى وجهك يبتسم للمرآة , وترى ملامحك وقد غطاها الأسى ونال الحزن من تقاطيع ملامحك البريئة أو التي كانت بريئة.. أسوء شيء في الحياة أن تحياها مطاردا محاصرا .. يجري وراؤك شبح الخوف .. تلهث حين ترى الموت يقترب منك حتى ينقطع النفس .. نعم قد تموت وقتئذ من الخوف .. أسوء شيء في الحياة أن تختنق الحياة بداخلك وتموت لأنك خائف من الموت .. 

أسوء شيء في الحياة أن تهرب وتقضي الوقت تنظر خلفك حتى تتعثر و تقع وتنهض محاولا الوقوف وتنفض تراب الخوف الذي أثقل جلبابك لتفاجأ بأن الرصاصة اخترقت قلبك الذي كان يرتجف منذ قليل من الخوف .. لقد نهش حصار الانتظار أحلى ما في الحياة .. لقد قتل الخوف بصيص البهجة الذي يحاول أن يأتي مخترقا كل الحواجز ..

وحين أتى إلي أحلى شيء في الحياة .. لم أكد أراه حتى مات بين يديّ .. حين عانقت شعاعا يحلق نحوي وشعرت بقلبي يدق وقت رؤياها لكن مات إحساس جميل كاد ينمو بين أحشاء خافقي .. مات خوفا من موتي الذي تحين ساعته في كل لحظة .. حين كدت أشعر بدبيب الحب يطرق باب قلبي حتى دسته بقدمي .. جعلته ينزف حتى لا ينزف قلبي أكثر مما ينزف خوفا من الصياد .. الصياد الذي يبحث عنى .. يبحث عن فريسته .. حاول الكثيرون بأن يجعلوا الفريسة تقدم كفنها له على رؤوس الأشهاد لكنه رفض لأنه عازم على اللحاق بي والتشفي برؤية دمائي تسيل حتى تنطفئ نيران مستعرة بداخله

حاولت يوما أن أخرج للحياة تاركا صدري يشم الهواء قبل أن ترشق فيه الرصاصة التي لم أكن أعلم من أي صوب ستأتي .. ومشيت في الطريق القصي أتنسم لحظة حرية مختلسة ولكني عدت أدراجي يومها مذعورا بعد أن أحسست ظلا يتابع خطواتي المرتعشة  .. أتوق للحرية وخائف أنا على حياة أعجز أن أعيش صخبها و زحامها .. أفتش عن حريتي المسلوبة وأراها تموت أمام ناظري في كل يوم ألف مرة .. متى أموت وتنتهي رحلة عذاب انتظاري للموت .. 

ماذا لو خرجت الآن وطرقت باب الصياد وقلت له اقتلني .. خذ قصاصك .. حقك أمامك .. عمي قتل أبيك ولم ينجب ذكورا وأنا المقصد الذي تبحث عنه فوهة بندقيتك .. اقتلني كي ارتاح من عناء الخوف الذي يلف حبلا سميكا خشنا حول عنقي ..

قمت من نومي اليوم وأنا أفكر بذات الفكرة .. حتى يستريح الصياد من رحلة التربص بي ويعود لحياته ظافرا ويخبر أمه التي تمنعه من دخول البيت إلا ومعه رأسي .. كي يعيش حرا سأذهب إلى بابه وأناجيه بأن يسرع في خطف أنفاسي المبهورة .. بأن يسرع في خنق نور الحياة من بين عيني .. حتى أهدى له حريته في التخلص من حياة الضياع التي يعيشها .. وانتهى أنا ومعي تجف آخر قطرة في بحر دم .

ها أنا ذا .. أمام بابك .. اقتلني .. هيا .. اقتل كل حب للحياة .. اقتل بسمة كانت تحاول أن تحتلني .. اقتل شعاع أمل كان يراودني في أن أعيش .. لقد رفضت كفني .. فإليك جسدي .. مزقه برصاصات انتقامك .. فتته إلى زرات وابدره في الهواء حتى ينتهي مسلسل الدم .. 

ها أنا ذا .. اقترب .. صوب في صدري فوهة بندقيتك واضغط على الزناد حتى يرحمني ربي ويبدلني خيرا من دنياكم العنيفة الظالمة القاسية التي لا ترحم .. هيا إن بيني وبين الموت ثانية تثني فيها إصبعك .. وأستريح .. وداعا يا دنيا الشقاء .. وداعا يا دنيا الشقاء ...

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

من اجمل ما قرأت يا استاذ محمد
حضرتك تمتلك قدرة رهيبة على التقمص
ادام الله عليك موهبة القص المبدع والكتابة الخلاقة

نادر كامل